الأحد، 3 مايو 2015

معنى الطريقة الرحمانية الخلوتية
الطريقة:
وتعني  المنهاج والدليل والطريق هو السبيل وعند المتصوفة  هي السلوك في معارج المراتب الثلاثة )الاسلام ,الايمان ,الاحسان( وتعني عندهم كذلك ترقي المسلم من وراثة أقوال الرسول  الأكرم الى ورثة أحواله و منازلاته ومعاملاته مع الحق تعالى ومع الخلق  وما ينتج عنه من أذواق ومواجيد ومعارف وعلم بالله عزوجل كل ذلك لتحقيق قوله تعالى )فمن شاء أتخذ الى ربه سبيلا (الانسان 29
الرحمانية:
مؤسّس الطريقة الرحمانيّة الشيخ سيّدي محمّد بن عبد الرحمن الأزهريّ (1133-1208 هـ = 1715-1793 م)
هو محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف بن أبي القاسم بن عليّ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أحمـد بن الحسن بن طلحة بن جعفر بن محمد العسكري بن عيسى بن حمزة بن إدريس .... ابن السيّدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولـد بقرية بوعلاوة بعرش آيت إسماعيل، ناحية قشتولة، وتقع على بعد 15 كلم، شرق ذراع الميزان، في منطقة جرجرة من الجزائر، وإلى هذه الأرض يُنسب، كما لُقّب بالأزهريّ، نسبة إلى الأزهر الشريف الذي جاوره مدة طويلة. الراجح أنه ولد سنة 1133هـ= 1715م، ونشأ ببلاد زواوة التي اشتهرت في تلك الفترة بالعلم والفقه. تتلمذ في بداية أمره على يد الشيخ الحسين بن آعراب الذي تخرّج من الأزهر الشريف وعاد منه بعلوم جمّة وثقافة واسعة. ذهب ابن عبد الرحمن إلى الحجّ في التاسعة عشرة من عمره، أي حوالي سنة 1152هـ، وفي طريق عودته أعجب بالأوضاع العلميّة بمصر فاستقر فيها مجاورا للأزهر الشريف، وفيه تلقّى العلوم على أيدي علماء أجلاّء منهم: الشيخ أحمـد بن محمد بن أبي حامد العدويّ المالكيّ الأزهريّ الشهير بـ "الدردير" (تـ 1201هـ)، والشيخ عليّ بن أحمـد الصعيديّ العدويّ (تـ 1189هـ)، والشيخ علي العمروسيّ (تـ 1173هـ)، والشيخ محمّد بن عبد الله بن أيّوب المعروف بـ"المنوّر التلمسانيّ"(تـ 1173هـ). وبعد تحصيل العلوم الإسلاميّة من هؤلاء الأعلام، اتّجه إلى شيخ مربٍّ يسلك على يده، ووجد ضالّته في الشيخ محمّد بن سالم الحفناويّ الخلوتيّ، وعنه أخذ الطريقة الخلوتيّة، وكلّفه بنشرها، والقيام بالدعوة في السودان والهند، يقول الشيخ محمّد بن عبد الرحمن في إحدى رسائله: "ثمّ بعثني (أي شيخه) إلى بلاد السودان وبلاد الهنود لأقرئهم جميع الفنون وإعطاء الورد، فشرعت في تربية الإخوان". وأقام ست سنوات في دار فور يقرئ السلطان ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى صار له أتباع كثيرون . أمره شيخه بالعودة إلى القاهرة وألبسه الخرقة، وكلّفه بالتوجّه إلى الجزائر لنشر الطريقة هناك، وكان ذلك سنة 1177هـ. استقرّ الشيخ بن عبد الرحمن فترة ببلاد القبائل كواعظ ومرشد، ثم انتقل إلى قرية الحامّة قرب مدينة الجزائر، واستقرّ هناك وتصدّى للتعليم، ولنشر الطريقة الخلوتيّة، والتفّ حوله عدد كبير من الطلاّب، فعلا صيته وذاعت شهرته، وأهدى له أفراد عائلة بني عيسى قطعة أرض بنى عليها زاويته الّتي اتّخذها مركزا لنشر الطريقة وملتقى للإخوان والمريدين. ولم تمض فترة طويلة على استقراره بالحامّة حتّى بدأت المشاكل والمتاعب تترى من طرف علماء الظاهر الذين كانـوا يرون في التفاف الناس حول الشيخ بن عبد الرحمن مساسا بكرامتهم وحطا من قيمتهم، فبدءوا بشن الحملات عليه وإثارة الـداي محمّد عثمان عليه، ممّا جعله ينصب له مجلسا للحكم في أمره، فعقد لذلك مناظرة للنظر في الاتّهامات الموجّهة إليه، برئاسة المفتي علي بن الأمين مفتي المالكيّة بالعاصمة، لكنّ موقف الشيخ كان الأصوب، وظهرت حججه على آرائهم الباطلة، وبرّئ من تهمة الزندقة الّتي وجّهت إليه، وتبيّن للداي كذبهم ومؤامرتهم وسوء نيّتهم، فأكرم نزله، واستضافه أياّما بقصره، وأخذ عنه ورد طريقته وأصبح من أتباعه ومريديه. وبالرغم من موقف الداي المؤيّد للشيخ، فإنّه فضّل مغادرة الجزائر العاصمة، والعودة إلى مسقط رأسه آيت إسماعيل بجرجرة، حيث أسّس هناك زاوية جديدة وتفرّغ للتعليم ونشر الطريقة. نجد في دائرة المعارف الإسلاميّة أنّ الشيخ استقرّ أوّلا بقريته آيت إسماعيل، وبسبب حسد علماء قريته، انتقل إلى الحامّة الّتي أثار نشاطه فيها معارضة علماء الدّين، فاستدعوه للمحاكمة. لا تذكر المصادر شيئا عن حياته الاجتماعية إلا ما عرفنا من أنه تزوج امرأة حبشية بالقاهرة، وأن له أخا لحق به في القاهرة، وأمره الشيخ الحفناوي بالعودة معه إلى الجزائر، وأنه لم يترك عقبا من صلبه، وأبناؤه هم شيوخ طريقته وخلفاؤه من بعده.
مـن أشهـر تلامـذته:
سيدي علي بن عيسى، سيدي عبد الرحمن باش تارزي، سيدي محمد بن عزوز البرجي، سيدي محمد العمالي والد حميدة العمالي...
من مـؤلفـاتــه:
1 ـ رسالة فتح الباب: ألفها في آداب الخلوة، وشروطها ودخولها ونتائجها. 2 ـ رسالة طي الأنفاس: يتحدث فيها عن آداب الطريقة الخلوتية بشكل عام، وآداب الخلوة، وطي النفوس السبعة وهو المبدأ الذي تقول به الطريقة الخلوتية من الأسماء السبعة والنفوس السبعة التي يجب قطعها بالأسماء السبعة المعروفة.
 3 ـ دفتر الدفاتر: وهو أيضا عبارة عن مجموعة رسائل في الطريقة، والذكر والخلوة، وهي امتداد للرسائل الخلوتية المكتوبة في هذا الشأن.
 4 ـ شرح على الريفاوي: شرح لقصيدة (قوته قولي) لصاحبها عبد الله الريفاوي، ويجمع هذا الشرح بين أصول الطريقة وأركانها، وآداب المريد، انتهى من تأليفه سنة 1172هـ.
5 ـ شرح لامية الزقاق: في الأقضية، قال عنه أنه ألفه بإذن شيخه الحفناوي.
 6 ـ زلزلة النفوس: وكان لا يفارقه لعزته عليه.
توفي الشيخ بن عبد الرحمن  ( سنة 1208هـ= 1793م(. وكان قد أوصى بالخلافة بعده إلى تلميذه الشيخ علي بن عيسى المغربي، وترك له جميع كتبه وأوقافه وأشهد على ذلك أهل آيت إسماعيل، وظل الشيخ علي بن عيسى يدير شؤون الزاوية إلى وفاته 1251هـ= 1836م. تولى بعده سي بلقاسم بن محمد الحفيد من المعاتقة- وفي عهده بدأ ظهور النزعة الاستقلالية لدى بعض الزوايا الرحمانية والانفصال عن الزاوية الأم بآيت إسماعيل، ولم يدم عهده إلا سنة.تولى بعده سي الحاج البشير وهو أيضا من المغرب (1836- 1841). تولى بعده محمد بن بلقاسم نايت عنان لمدة سنة واحدة أيضا (43-1844) ولم يكن يتمتع بسمعة طيبة ولا قدرة على القيادة وفي عهده تم الانفصال بين الزاوية الأم وزوايا الجنوب الرحمانية .تولى بعده الحاج عمار سنة 1844, وأدى دورا هاما في مقاومة زواوة 1857، وقد هدمت الزاوية في عهده على يد الجنرال "ديفو" واضطر الحاج عمار إلى الهجرة إلى الحجاز. وكانت الرحمانية في هذه الفترة هي زعيمة الطرق في زواوة..
ملاحظة:
يعرف الشيخ بلقب بو قبرين بعد وفاته وذلك للفتنة التي عقبت وفاته فأراد مردوه وتلامذته قبره بزاوية بالعاصمة أما أهله ومردوه بزواو فأرادوا دفنه بمسقط رأسه فكل كان له مراده, فقبره في المكانين بل وحتى جسده الشريف كما صح عن بعض المشايخ الذين يؤكدون هذه الرواية في كرامة من كراماته رضي الله عنه ورحمه
الخلوتية:
وأما أصل (الطريقة الخلوتية) وسندها ومصدرها فقد جاء فى مجمع الزوائد ما رواه الإمام أحمد والطبرانى وغيرهما، أن عليًا كرم الله وجهه سأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال: دلّنى على أقرب الطرق إلى الله وأسهلها على عباده وأفضلها عند الله تعالى؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأراضين السبع فى كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت لا إله إلا الله) ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم (يا علي لاتقوم الساعة وعلى وجه الأرض من يقول الله) فقال الإمام علي كرم الله وجهه: كيف أذكر يا رسول الله؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم (غمّض عينيك واسمع عنى ثلاث مرات ثم قل أنت ثلاث مرات وأنا أسمع، ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله ثلاث مرات مغمضًا عينيه رافعًا صوته وعليٌّ يسمع، ثم قال علي: لا إله إلا الله كذلك والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يسمع).
ثم أنه صلى الله عليه وسلم علَّم الأمة المحمدية الإستغفار مائة مرةٍ فى اليوم والليلة بيانًا لقوله تعالى ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ ولازال فينا صلى الله عليه وسلم، وفى قوله الشريف الذى يرويه البخارى وغيره (يا معشر الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه فى اليوم والليلة مائة مرة) فكان الإستغفار ضروريا ليكون كالطهارة للدخول على الذكر ثم الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أدعى للقبول لما ورد فى ذلك من قوله الشريف (ثم صلّوا عليَّ) ومن قوله (من صلى عليّ عشرًا).. ومن قوله (قولوا اللهم صلِ على محمد) الحديث الذى كان هو بيانا لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ ثم الجد والإجتهاد فى القيام بالأعمال الشرعية وخاصة الصلوات فى أوقاتها، والبعد عن محارم الله عز وجل بالقدر الممكن للبشر ومصاحبة الصالحين والعلماء العاملين وحب الخير وتجنب أهل الفساد... وهكذا من الوصايا التى يرويها الشيخ العارف لمريديه وأن يرشده إلى تلاوة القرآن وسماع العلم وأن يجد ويجتهد فى الدنيا لنيل الخير فى الآخرة وأن يتخلّق بالأخلاق الفاضلة وأن يتجنّب الرذيلة.. كل ذلك عند تلقين العهد.
  الخلوتية ، والتي كان يُطلق عليها في الأصل اسم الدينورية نسبة إلى ممشاد الدينوري، ومن ثم سُميت باسم السهروردية نسبة إلى مشايخ الطريقة السهروردية، ومن ثم سُميت بالخلوتية لسببين:
- اشتهارهم بتربية المريدين على طريق الخلوة.
- نسبة إلى مشايخها من آل الخلوتي وأشهرهم عمر الخلوتي، محمد الخلوتي، وأُخَي الخلوتي.













بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم
هذه وصيّة الشيخ الأكبر سيدي محمّد بن عبد الرحمن بن أبي القاسم بن أحمد بن يوسف الأزهري مؤسـس الطريقة الخلوتيّة الرحمانيّة بالجزائر.
قال رحمه الله:
اسمع مني وصيتي إليكَ واعمل بها كما ألزمت نفسك عهد الله وميثاقه، أن تتقي الله في سائر أحوالك، وتخلص في جميع أعمالك، ولا تلتفت لنظر الخلق لك بل غب عنهم بنظر الله تعالى لك، واطّلاعه عليك وعلى سرّك وعلانيّـتك، وعليك باتباع السّـنة والكتاب، فإنهما الطريق الموصّل إلى الله تعالى، واعمل متجرّداٌ عن حظوظ نفسك في الدنيا والآخرة، ولا تعمل لملاحظة الكرامات وخوارق العادات، ولا خوفاٌ من عقاب الله ولا طمعاٌ في ثوابه بل لقصد رضى الله عنك ومحبته إليك والقيام لحقوق العبوديّة لنصرة الدين وعزّ الإسلام خاصة والثواب لا شكّ حاصل، وتحصيل الحاصل عبث،وعليك بالإحسان إلى الخلق بتوقير الكبير والرحمة للصغير، وعليك بالزهد في الدنيا إلاّ ما ستر العورة أو الجثة وسدُّ الجوعة، فإن زدت على ذلك فإيّاك والغرور، وعليك بالورع عن كل ما فيه شبهة، وعليك بكف الأذى وإن أوذيت، وعليك بالصبر فإنه رأس العبادة، وعليك بالرضى عن الله في كلّ شيء ورد عليك منه، وعليك بكف لسانك عمّا لا يعنيك، وعليك بالثـقة بالله على كل حال وفي كل حال، والتوكل على الله والشكر له، وعليك بذكر الموت فإنّه أساس الزهد،وإيّاك والمخاصمة والمماراة وإن كنت محقاً، والبغي وحبُّ الشهرة بالخير والميل إلى المدح،والتزم الأدب مع كلِّ مخْلوقٍ، ولا تيأس من رحمة الله وفرجه وإن ضاقت عليك الأمور، فإنّ الله يقول:*فإنّ معَ العُسْر يُسْرا إِنَّ مَعَ العُسْر يُسْرَا* ولن يغلب عسر يُسرين، ولا تشكو الله إلى أحدٍ من خلقهِ، فإنه المعافي والمبتلي والقابضُ والباسط والمضرُّ والنافع، وتكون في الدنيا كأنك غريب أو عابرُ سبيلٍ، وتنبذ ما في يدك من مكاسب الحرام، وتترك ما يقطعك ويلهيك عن عبادة الله ، وتلزم قلبك التفكر وتعوّدَ عينيك السّهر، وتجعل الذكر أنيسك والحزن جليسك والزهد شعارك والورد دثارك، والصمتَ قرينَكَ، واقطع نهارك بالجوع والظمأ، وليلك بالسهر في البكاء والتفكر في ذنوبك السّالفة، ومثلِ الجنةَََََََََََ عن يمينك والنّار عن يسارك، والصراط تحت قدميك والميزان بين يديك، والربّ مطّلع عليك، ويقول لك:*اقرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً* واستعمل ما هو نافع لك وهي الطاعة ودع ما هو مضرٌّ لك وهي المعصية، واعلم أنّ الله سبحانه وتعالى يقول:* فَمَنْ يَعْمَلْ مِثقالَ ذرّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ* وترك المعصية أولَََى لك من التوبة من الذنوب.تمت هذه الوصيّة المباركة بحمد الله، وحسن عونه، ونسأل الله U أن يفتح أبواب فضله، وينشر خزائن رحمته على الجميع بجاه النّبيِّ الشفيع وعلى من انتمى إليه.
آمين والحمد لله ربّ العالمين
أقوال بعض علماء الأمة في التصوف والصوفية
1 -
الإِمام مالك رحمه الله تعالى
يقول الإِمام مالك رحمه الله تعالى: (مَنْ تفقَّهَ ولم يتصوف فقد تفسق، ومَنْ تصوَّف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمعَ بينهما فقد تحقَّق) [حاشية العلامة علي العدوي على شرح الإِمام الزرقاني على متن العزية في الفقه المالكي ج3. ص195. وشرح عين العلم وزين الحلم للإِمام ملا علي القاري المتوفى 1014هـ. ج1. ص33. والإِمام مالك رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي سنة 179هـ في المدينة المنورة]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
2-
الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى [الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي في مصر سنة 204هـ]: (صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين، وفي رواية سوى ثلاث كلمات:
قولهم: الوقت سيف إِن لم تقطعه قطعك.
وقولهم: نفسَك إِن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
وقولهم: العدم عصمة) [تأييد الحقيقة العلية للإِمام جلال الدين السيوطي ص15]ـ
وقال أيضاً: (حُبِّبَ إِليَّ من دنياكم ثلاث: تركُ التكلف، وعِشرةُ الخلق بالتلطُّف، والاقتداء بطريق أهل التصوف) ["كشف الخفاء ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" للإِمام العجلوني المتوفى سنة 1162هـ. ج1. ص341]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
3-
الإِمام أحمد رحمه الله تعالى
كان الإِمام أحمد رحمه الله تعالى [الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي سنة 241هـ] قبل مصاحبته للصوفية يقول لولده عبد الله رحمه الله تعالى: (يا ولدي عليك بالحديث، وإِياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية، فإِنهم ربما كان أحدهم جاهلاً بأحكام دينه. فلمَّا صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال القوم، أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فِإِنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة) ["تنوير القلوب" ص405 للعلامة الشيخ أمين الكردي المتوفى سنة 1332هـ]ـ
ونقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى عن إِبراهيم بن عبد الله القلانسي رحمه الله تعالى أن الإِمام أحمد رحمه الله تعالى قال عن الصوفية: (لا أعلم أقواماً أفضل منهم. قيل: إِنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة..) "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" ج1. ص120.
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
4-
عبد القاهر البغدادي رحمه الله تعالى
قال الإِمام الكبير حجة المتكلمين عبد القاهر البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه الفَرْقُ بين الفِرَقِ: 
والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا، واختَبروا فاعتبروا، ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك مسؤول عن الخير والشر، ومحاسب على مثاقيل الذر، فأعدُّوا خير الإِعداد ليوم المعاد، وجرى كلامهم في طريقَيْ العبارة والإِشارة على سَمْتِ أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء، ولا يتركونه حياء، دينُهم التوحيد ونفي التشبيه، ومذهبهم التفويضُ إِلى الله تعالى، والتوكلُ عليه والتسليمُ لأمره، والقناعةُ بما رزقوا، والإِعراضُ عن الاعتراض عليه. {ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتِيهِ مَنْ يشاءُ واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ} [الجمعة: 4]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
5-
الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى
قال العلامة الكبير والمفسر الشهير الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في كتابه اعتقادات فرق المسلمين والمشركين: 
والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية، ويجتهدون ألاَّ يخلو سرَّهم وبالَهم عن ذكر الله تعالى في سائر تصرفاتهم وأعمالهم، منطبعون على كمال الأدب مع الله عز وجل، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين) [اعتقادات فرق المسلمين والمشركين للإِمام فخر الدين الرازي ص72ـ73.
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
6-
العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى
قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى وأخذ التصوف عن شهاب الدين السهروردي، وسلك على يد الشيخ أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى، وكان يقول إِذا حضر مجلسه وسمع كلامه: هذا كلام قريب العهد بالله
(
قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تنهدم دنيا وأخرى ، وقعد غيرهم على الرسوم، ومما يدلك على ذلك، ما يقع على يد القوم من الكرامات وخوارق العادات، فإِنه فرع عن قربات الحق لهم، ورضاه عنهم، ولو كان العلم من غير عمل، يرضي الحق تعالى كل الرضى، لأجرى الكرامات على أيدي أصحابهم، ولو لم يعملوا بعلمهم، هيهات هيهات) [نور التحقيق للشيخ حامد صقر ص96]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
7-
الإِمام النووي رحمه الله تعالى
جاء في طبقات الشافعية ج1 ص 151 أنه أخذ طريق القوم عن شيخه السيد ياسين بن يوسف الزركشي وكان رحمه الله بارعا في علوم الحديث واللغة والنحو والفقه وعلوم الصوفية.
قال النووي رحمه الله تعالى في رسالته المقاصد: أصول طريق التصوف خمسة: 
-
تقوى الله في السر والعلانية.
-
اتباع السنة في الأقوال والأفعال.
-
الإِعراض عن الخلق في الإِقبال والإِدبار.
-
الرضى عن الله في القليل والكثير.
-
الرجوع إِلى الله في السراء والضراء) [مقاصد الإِمام النووي في التوحيد والعبادة وأصول التصوف ص20]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
8-
الإِمام الشاطبي رحمه الله تعالى
إِن كثيراً من الجهال، يعتقدون في الصوفية أنهم متساهلون في الاتباع والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه، مما يقولون به ويعملون عليه، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به. فأول شيء بَنَوْا عليه طريقهم اتباع السنة واجتناب ما خالفها، حتى زعم مُذكِّرُهُم وحافظ مأخذهم، وعمود نحلتهم أبو القاسم القشيري: إِنهم إِنما اختصوا باسم التصوف انفراداً به عن أهل البدع. فذكر أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسَمَّ أفاضلهم في عصرهم باسم عَلَمٍ سوى الصحبة، إِذ لا فضيلةَ فوقها، ثم سمي من يليهم التابعون، ثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية في الدين: الزهاد والعبَّاد. قال: ثم ظهرت البدع وادَّعى كل فريق أن فيهم زهاداً وعُبَّاداً، فانفرد خواص أهل السنة، المراعون أنفسهم مع الله، والحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف، فتأمل تغنم، والله أعلم) [المسلم مجلة العشيرة المحمدية، عدد ذي القعدة سنة 1373هـ]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
9-
ابن خلدون رحمه الله تعالى
وقال ابن خلدون رحمه الله تعالى في كلامه عن علم التصوف: (هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم طريقةَ الحق والهداية، وأصلُها العكوفُ على العبادة والانقطاع إِلى الله تعالى، والإِعراضُ عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهدُ فيما يُقبِل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفرادُ عن الخلق في الخلوة للعبادة. وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف، فلمَّا فشا الإِقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إِلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية) [مقدمة ابن خلدون ص328. وهو عبد الرحمن بن الشيخ أبي بكر محمد بن خلدون الحضرمي ولد عام 732هـ وتوفي سنة 808هـ]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
10-
تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى
وقال الشيخ تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في كتابه معيد النعم ومبيد النقم، تحت عنوان الصوفية: (حَيَّاهمُ الله وبيَّاهم وجمعنا في الجنة نحن وإِياهم. وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المُتلبِّسين بها، بحيث قال الشيخ أبو محمد الجويني: لا يصح الوقف عليهم لأنه لا حدَّ لهم. والصحيح صحته، وأنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة.. ثم تحدث عن تعاريف التصوف إِلى أن قال: والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويُستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنَّا بهم) [كتاب معيد النعم ومبيد النقم ص119 للإِمام تاج الدين عبد الوهاب السبكي المتوفى سنة 771هـ]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
11-
جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى:
وقال العلامة المشهور جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه تأييد الحقيقة العليَّة: (إِن التصوف في نفسه علم شريف، وإِن مداره على اتباع السنة وترك البدع ، والتبرِّي من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها واختياراتها، والتسليمِ لله، والرضى به وبقضائه، وطلبِ محبته، واحتقارِ ما سواه.. وعلمتُ أيضاً أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه، فأدى ذلك إِلى إِساءة الظن بالجميع، فوجَّه أهلُ العلم للتمييز بين الصنفين ليُعلمَ أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفياً محقِّقَاً يقول بشيء منها، وإِنما يقول بها أهل البدع والغلاةُ الذين ادَّعَوْا أنهم صوفية وليسوا منهم) [تأييد الحقيقة العلية ص57. للعلامة جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ]ـ
۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞
12-
الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
غالب كتبه مشحونة بذكر الصوفية وإيراد أقوالهم ووصف أحوالهم، كما وأورد في ج1 من كتابه الذيل على طبقات الحنابلة مجموعة من الحنابلة من مشايخ الحركة السلفية ممن مجدوا التصوف وأعزوه حيث أورد في ص211 في ترجمة الإمام أبي محمد بن عبد الله بن علي البغدادي قصيدته التي مطلعها :
ترك التكلف في التصوف واجب *** ومن المحال تكلف الفقراء
قوم إذا امتد الظلام رأيتهم *** يتركعون تركع القراء
والوجد منهم في الوجوه محله *** ثم السماع محله في الأعضاء
وتراهم بين الأنام إذا أتوا *** مثل النجوم الغر في الظلماء
مقدمة في تعريف السلفية وسمات منهج المتشددين الذين تسموا بالسلفيين
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، فمصطلح السلفية يطلق في اللغة على معنى نِسْبِي، يُمْكِن أن تتعاوره الأزمنة المتوالية كلها، فإن كل زمن من الأزمان سَلَف بالنسبة إلى الأزمنة الآتية في أعقابه، وخَلَف بالنسبة إلى الأزمنة التي سبقته ومرَّت من قبله.
وقد اكتسب لفظ (السَّلَفِ) معنى اصطلاحي مُسْتَقِر في الثقافة الإسلامية ويعنى به القرون الثلاثة الأولى من عُمْرِ هذه الأمة الإسلامية، ومصدر هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»متفق عليه .أخرجه البخاري في كتاب الشهادات
ومصطلح (السلفية) أُسِيءَ فهمه، وأُسِيءَ استغلاله، وأُسِيءَ استخدامه من بعض المنتسبين إليه، وخاصةً في العصر الحاضر؛ حيث يدعي بعض من ينتسب إلى هذه المصطلح أنَّه هو الوارث الوحيد للسَّلَف، ومن ثَمَّ لا سَلَفِي سواه، وعند التحقيق فيما يتضمنه هذا المفهوم نجده قاصرًا على مسائل وقضايا جُزْئِيَّة خلافية، أو يجعله لا ينطبق إلا على أفراد قلائل من أفراد الأمة، أما علماؤها الكثيرون وأما دعاتها الصادقون العاملون للإسلام في كل أقطار الأرض فهم في زعمهم مبتدعون مهما رسخ قدمهم في هذا الدين؛ لأنهم يختلفوا معهم في هذه المسائل الجزئية.
تطور مصطلح السلفية في التاريخ المعاصر:
يرى إصلاح أمر المسلمين، بإعادتهم إلى الإسلام الصحيح النقي عن سائر الخرافات والبدع والأوهام، وربط الإسلام بعجلة الحياة الحديثة، والبحث عن سبل التعايش بينه وبين الحضارة الوافدة، وكان الشيخ الأفغاني والشيخ محمد عبده يمثلان طليعة الفريق الثاني، وقد اتخذوا هذا الشِّعَار وهو (السلفية) وكان المراد منه في هذا الوقت هو الدعوة إلى نَبْذِ كل هذه الرَّوَاسِب التي عَكَّرت على الإسلام طُهْره وصفاءه من بِدَع وخرافات، بحيث يعود المسلمون في فهم الإسلام واصطباغهم به إلى عهد السلف رضوان الله عليهم اقتداء وسيرًا على منوالهم.
وكان الغرض من اختيار هذا المصطلح (السلفية) هو تهييج كراهية الناس للصورة التي انتهى إليها حال المسلمين؛ بمقارنة فكرية يعقدونها بين واقع الإسلام والمسلمين في عصره الأول الْمُشْرق وواقعه معهم في العصر القاتم المظلم، ثم أن يجعلوا من ارتباط الإسلام بعصر السلف مناط كل سعادة وتقدم وخير.
وفي هذه الأثناء كان المذهب الوهابي -المنسوب إلى محمد بن عبد الوهاب- مُنْتَشِرًا في نجد وبعض أطراف الجزيرة العربية، وقد كان بين هذا المذهب ودعوة الإصلاح الديني في مصر قاسم مشترك يتمثل في محاربة البدع والخرافات، فلهذا راجت كلمة السلف والسلفية بين أقطاب المذهب الوهابي، ثم بعد فترة أُطْلِقَ على الوهابية اسم السَّلَفِيَّة بدلا من الوهابية؛ وكان السبب الإيحاء بأن أفكار هذا المذهب لا تقف عند محمد بن عبد الوهاب فقط، بل ترقى إلى السَّلْف، ولكي يثبتوا للناس أنهم في تبنيهم لهذا المذهب أُمَنَاء على عقيدة السلف وأفكارهم ومنهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه.
وهكذا تحولت كلمة (السلفية) من شعار أطلق على حركة إصلاحية للترويج لها والدفاع عنها، إلى لقب لُقِّب به مَذْهَب يرى أصحابه أنهم دون غيرهم من المسلمين على حق، وأنهم دون غيرهم من المسلمين الأمناء على عقيدة السلف والمُعَبِّرُون عن منهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه.
حقيقة اتباع السلف عند العلماء:
إن اتباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها أو المواقف الجزئية التي اتخذوها؛ لأن السَّلَف أنفسهم لم يفعلوا ذلك، وإنما الاتباع الصحيح لهم يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص، وتأويلها، وأصول الاجتهاد، والنظر في المبادئ والأحكام. والرجوع إلى هذه المبادئ والأحكام واجب المسلمين كلهم في سائر العصور، فلا يختص بالرجوع إليها والانضباط بها سلف دون خلف.
ولا يمتاز السلف عن الخلف في ذلك إلا بأن لهم فضل الالتفات إلى هذه القواعد والشعور بمدى الحاجة إليها ثم العكوف على استخراجها وتدوينها.
فالسلفية الحقيقية تعني التزام أهلها بمنهج السلف في تعاملهم مع نصوص القرآن والسنة، هذا المنهج الذي كان مُتَجَسِّدا ومُتَجَلِّيا في سلوك السلف الصالح رضوان الله عليهم. فكل مَن التزم بهذا المنهج فقد دخل في دائرة الوحدة التي عُنْوِنَ لها بأهل السنة والجماعة وإن عاش في القرون الأخيرة من عمر الدنيا، وكل مَنْ لم يلتزم به فقد خرج عن دائرة تلك الوحدة الجامعة، وإن عاش في أول قرن من عمر الإسلام.
وما اتباع السلف إلا الصبغة العامة لسائر المسلمين، وما معناه إلا الاستضاءة بسلوكهم وعلومهم في فَهْمِ هذا المنهج والتمرُّس على تطبيقه بشكل سليم. وكما صح للسلف الصالح أن يختلفوا تحت مظلة ذلك المنهج المتبع، فلا ريب أنه يصح لمن جاء بعدهم متبعًا لهم ومقتديًا بهم أن يختلفوا تحت تلك المظلة ذاتها كما اختلفوا. وكما أن الاختلاف لم يمزق وحدتهم الإسلامية شطرين: ملتزم وزائغ، فإن اختلاف من بعدهم أيضا لم يؤثر على وحدتهم الإسلامية، ولم يجعل منهم شطرين: سلفيًّا وبدعيًّا.
والسَّلف - رضوان الله عليهم - لم يتَّخِذُوا من معنى كلمة (السَّلَف) بحد ذاتها مظهرًا لأي شخصية متميزة أو أي وجود فكري أو اجتماعي خاص بهم يميزهم عمن سواهم من المسلمين، ولم يضعوا شيئًا من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكية والأخلاقية في إطار جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصية فكريَّة مستقلة، بل كان بينهم وبين مَنْ نسميهم اليوم بالخَلَف مُنْتَهى التفاعل وتبادل الفهم والأخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الذي تم الاتفاق عليه والاحتكام إليه.
ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أن حاجزًا سيختلف ليرتفع ما بينهما بصُنْعِ طائفة من المسلمين فيما بَعْد، وليقسم سلسلة الأجيال الإسلامية إلى فريقين يصبغ كلا منهما بلون مستقل من الأفكار والتصورات والاتجاهات.
كما أن السلف لم يجتمعوا على مذهب في قضايا الفروع، وإنما ما نقل من خلافات في الفروع هي في الأساس اختلافات بين السلف أنفسهم، فالسلف اختلفوا في قضايا كثيرة فرعيَّة تنتمي إلى الأحكام العمليَّة، وإلى مسائل الاعتقاد الفرعية.
فقول أحدهم هذا مذهب السلف فيه خداع؛ لأنه فيه توهمان: الأول : أن السلف كان لهم هذا المذهب الفقهي الذي اتفقوا عليه وهذا محض وَهْم.
الثاني : أن مذاهب السلف ليست هي ما نقله أئمة المذاهب الفقهية عن شيوخهم من التابعين، وإنما هي أقوال يدعيها كل مدع، والصحيح أن المذاهب الفقهية كانت نقلا لمذهب السلف، ووسيلة لنقل الآراء الفقهية، فكما أن القراءة المتواترة في القرآن الكريم طريق نقل كتاب الله، والسند في الحديث النبوي هي طريق نقل الحديث النبوي، فإن المذاهب الفقهية هي طريق نقل الآراء الفقهية والمذاهب الفقهية من لدن الصحابة.
سمات المتشددين الذين تسموا كذبا بالسلفيين في العصر الحديث :
نرى آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة، وهذه هي الأمور الخمسة التي يجب على الدارسين عند تحليلهم للظاهرة أن يقفوا عندها. كما أنهم يتبنون فكرًا صداميًّا، وهذا الفكر الصِّدَامي يفترض أمورًا ثلاثة وهي:
أولا : أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفي العلن مرات، وأن هناك استنفار للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.
ثانيا : وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصدام يأخذ صورتين الأولى : قتل الكفار الملاعين، والثانية : قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين.
وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم، وهذه الصياغات كما نرى فيها شيء كثير من التلبيس والتدليس والجهالة ولكنها سوف تجذب كثيرًا من الشباب.
ثالثا : أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكرًا طليقًا من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد.
وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق، وهذه النظرية لها ارتباط عضوي بنظرية الفوضى الخلاقة، وهو المصطلح الذي شاع في الاستعمالات السياسية والأدبية في الآونة الأخيرة وإن كان الكثيرون لا يدركون أصوله ومعانيه وآثاره والنموذج المعرفي المنتمي إليه.
لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقًا لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الديني وللتنمية الشاملة التي يحتاجها العالم الإسلامي عامَّة، ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجُّه السلفي أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس.
ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدي إلى ما ذكرنا وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن –خاصة- أن يقاوموه وأن يعملوا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم؛ لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدَّى إلى من حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأسره.
هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، ولذلك تراه قد حوَّل هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور.
وتؤثر هذه الخصيصة التي تستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معيارًا للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه، ويعيش في هذا الوهم، فيشتد انعزاله ممن حوله.
أقول إن ذلك كله يؤدي إلى انتقاله من هذا الدور إلى دور يرى فيه وجوب الانتحار وتفجير نفسه في الناس بالمتفجرات الحقيقية وبالقنابل، ويرى أنه ليس لحياته معنى؛ لأنه يسبح ضد التيار، ويرى أنه لابد عليه أن يزيد من نسله وأن يملأ الأرض صياحًا بأطفاله محاولا بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم، حيث إنه يشعر بأنه وحيد وبأنه قِلَّة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضي عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يَفِرَّ من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي.
ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التَّشَدُّد، فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وأن التطهر منها يكون بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة، فتراه يتمتع ويتفاخر بالخروج عن الحياة، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بصورة تامة.
ولذلك نراه في تناقض شديد، فيفعل أشياء، ويمتنع عن أشياء هي من جنس واحد متبعًا في ذلك هواه، مما يُكَوِّن عنده عقلية الانطباع والهوى، وهي عقلية تُخَالِف العقلية العلمية، وتُخَالف المنطق المعروف الذي به قوام الاجتماع البشري، ومن هنا يكون متعبًا في تلقيه التفكير المستقيم، ومن هنا أيضا نراه متمردًا منعزلا لا يَثِقُ في العلماء، ولا يثق إلا في طائفة قليلة تُجَارِيه في هواه، وهذا يمنعه من تلقي أي رسالة معرفيَّة اجتماعية.
ويتميز هذا الصنف من الناس بامتلاك عقلية المؤامرة، ولذلك يرى كل ما حوله وكأنه يحيك ضده مؤامرات ويحاول أن يبيده من على الأرض، مما يجعله متحفزًا دائمًا بأن يكون ضدًّا ومعاندًا لمن حوله.
ويتميز أيضًا بالكبر والعجب الذي يحتقر معه كل رأي سواه، فإن الظني قد تحوَّل عنده إلى قطعي، ومحل النظر تحوَّل عنده إلى ضروري لا نقاش فيه، مما تختل معه قائمة الأولويات وترتيبها، وتقدم سفاسف الأمور على عظائمها، والمصلحة الخاصة على العامة، والموهومة على المحققة، وهذا كله يؤثر سلبًا على المجتمع ككل.
من هذه الصفات أنهم يقفون ضدَّ أي إصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، ويبتعدون دائمًا عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات، ويُعْمِلون الهوى في فهم النصوص، ويضيِّقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام، ويخرجون عن النظام المعهود من إجلال المشايخ، إلى نظام غريب عجيب يجتهدون فيه من عند أنفسهم في الفقهيات، ويقلِّدون في العقائد، ويعظِّمُون غير العلماء، ويحطُّون من شأن العلماء، ويتصدَّرُون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم، والدعوة إلى منابذتهم ومُحَارَبتهم.
لقد آن الأوان وحان الوقت لأن يكون مقاومة هذا الفكر المنحرف مطلبًا قوميًّا، والطريق إلى ذلك هو العودة إلى منهاج الأزهر الذي حمل لواء أهل السنة والجماعة عبر القرون، وأهل السنة بالنسبة لباقي التيارات والمذاهب الإسلامية عدل وسط، يعترفون بكل الصحابة وليس شأنهم كشأن الشيعة الذين ينكرون الصحابة إلا عليًّا وبعضا قليلا حوله.
فأهل السنة في المذاهب كأهل الإسلام في الأديان، والمعاهد الاسلامية المعتبرة والكثير من الزوايا العلمية تدرس الأشعرية وهي عقيدة أغلب المسلمين في مجال الاعتقاد، ويدرس المذهبية السنية بمذاهبها الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) مع عدم إنكاره للاجتهاد الفردي أو الجماعي، ومع عدم إنكاره للأخذ بباقي المذاهب الثمانية المعمول بها (كالإباضية والظاهرية والإمامية والزيدية) أو حتى الأخذ من وسيع الفقه الإسلامي من خارج هذه الثمانية في المذاهب المنقولة في كتب الفقه وهي تربو عن ثمانين مذهبًا أو حتى الأخذ من الكتاب والسنة بما يلائم حاجات العصر ومصالح المصر وبما يلائم الانطلاق في هذا العالم الذي حولنا.
فالمنهاج هؤلاء العلماء الربانيين الوسطي يتوخى تحقيق المقاصد العليا، من حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان، وملكه، وهي التي تمثل النظام العام، وتُمثل حقوق الإنسان، وتمثل في ذات الوقت أهداف الشريعة العليا، وملامح الحضارة الإسلامية والإنسانية، ويدرس في جانب الأخلاق مذاهب التصوف الذي يتعلم فيه الإنسان أن يخلي قلبه من القبيح بما فيه الكبر والعناد، وأن يحلي قلبه بالصحيح بما فيه الرجوع إلى المرجعية الصحيحة، وإلى العلم النافع، وإلى القيادة الرشيدة، وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منَّا.
ونؤكد أننا عندما نطلق عليهم هذا الاسم «السلفيين» لا نقصد صحة انتسابهم لمنهج السلف الصالح كما مر؛ وإنما لأنه صار علما عليهم، كما استقر اسم «القدرية» على منكري القدر. وحديثا استقر اسم «القرآنيون» على فرقة مبتدعة ثمرة منهجها مخالفة القرآن والسنة. فهم كذلك يخالفون منهج السلف الصالح وطريقهم القويم، وإن تسموا بالسلفيين.
ولذا حرصنا على تسميتهم بالمتشددين في هذا البحث، تنزيها لاسم السلف عن بدعهم، وغيرة على دين الله، وإن عرفوا بهذا الاسم وأصبح علامة عليهم كما بينت.
هذا والله من وراء القصد,وصل الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
هل يجوز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وآل بيته والصالحين، وهل التبرك بآثاره مخصوص بحياته صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب
التبرك لغة : طلب البركة, والبركة هي : النماء والزيادة. وتبركت به تيمنت به. قال الراغب الأصفهاني : البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء. قال ابن منظور : «البَرَكة النَّماء والزيادة، والتَّبْريك الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة. يقال : بَرَّكْتُ عليه تَبْريكاً، أي قلت له بارك الله عليك. وبارك الله الشيءَ، وبارك فيه، وعليه، وضع فيه البَرَكَة. وطعام بَرِيك، كأنه مُبارك» [لسان العرب 10/395].
والمسلم يعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر البركة، وهو الذي يبارك الأشياء، ولا بركة ذاتية للمخلوقات؛ إنما البركة من الله لمن شاء أن يباركه، والله سبحانه بحكمته يختار من الأزمان ما يباركها، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}الدخان
ويختار سبحانه من الأماكن ما يباركها، قال سبحانه: {وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَتِى بَارَكْنَا فِيهَا} الأعراف . قال تعالى : {سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإسراء . وقال سبحانه : {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء . وقد بارك البيت الحرام، فقال تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وَضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} آل عمران
ويختار سبحانه من الأشخاص من يباركهم، فبارك الأنبياء وأهل بيتهم، قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} هود . وبارك أتباع الأنبياء، ومن تبعهم، قال تعالى : {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود .
وأثبت سبحانه أن أنبيائه عليهم السلام يصطحبون بركتهم أينما ذهبوا، فقال سبحانه : {وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًا} مريم . ويبارك الله المؤمنين المتبعين لمنهج الله، فقال سبحانه : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} الأعراف
ويبارك الله الأقوال، فبارك كلامه سبحانه، قال تعالى : {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} الأنبياء. وبارك تحية المؤمنين : {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تعْقِلُونَ} النور.
ويستحب للمؤمن أن يلتمس بركة هذه الجهات التي ثبتت بركتها من عند الله سبحانه وتعالى، فيستحب للمؤمن التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وآثاره، وقد ثبت ذلك التبرك من صحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرته الشريفة، ولم ينكر عليهم بل ورد عنه صلى الله عليه وسلم إجابته بالتبريك لهم وعليهم.
أخرج البخاري بسنده عن عروة عن الِمسْوَر وغيره يُصَدِّق كل واحد منهما صاحبه: «وإذا توضأ النبي صلى الله عليه وسلم كادوا يقتتلون على وضوئه».
وفي حديث صلح الحديبية في البخاري من حديث المِسْوَر بن مخرمة، بعد رجوع عروة بن مسعود إلى قريش : «فرجع عروة إلى أصحابه، فقال : أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها».
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان : «يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم».
وعن أسماء : «أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة. قالت : فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة، فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام».
وكانت أسماء بنت أبي بكر تقول للحجاج : «أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فدفع دمه إلى ابني -تقصد عبد الله بن الزبير- فشربه فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره فقال : ما صنعت؟ قال : كرهت أن أصب دمك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تمسك النار ومسح على رأسه، وقال : ويل للناس منك وويل لك من الناس»اخرجه الحاكم في المسترك واللفظ للدار اقطني.
عن عُميرة بنت مسعود رضي الله عنها : «أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم هي وأخواتها يبايعنه وهن خمس فوجدنه وهو يأكل قديدا فمضغ لهن قديدة ثم ناولنى القديدة فمضغتها كل واحدة منهن قطعة فلقين الله وما وجدن لأفواهن خلوف»رواه الطبراني.
هذا ما يخص التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وأما التبرك بآثار الصالحين، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تبرك بآثار أيدي المسلمين، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال : « قيل : يا رسول الله، الوضوء من جر مجمر أحب إليك أم من المطاهر ؟ قال : «لا بل من المطاهر إن دين الله الحنيفية السمحة» ، قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه أو قال : فيشرب يرجو بركة أيدي المسلمين» رواه الطبراني.
كما أن أصل أدلة هذا الباب هي نفس أحاديث التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن الأصل عدم اختصاص تلك البركة بالنبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت مقامها من النبي صلى الله عليه وسلم أعلى، وهذا ما فهمه كبار شراح السنة النبوية المطهرة كالنووي، وابن حجر رحمهما الله، وغيرهما.
قال الإمام النووي رحمه الله–عقب حديث الاستشفاء بجُبة رسول الله صلى الله عليه وسلم- : « وفى هذا الحديث دليل على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم».
وقال عليه رحمة الله : «قوله (فخرج بلال بوضوء فمن نائل بعد ذلك وناضح تبركا بآثاره صلى الله عليه وسلم، وقد جاء مبيناً في الحديث الآخر: فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه، ففيه التبرك بآثار الصالحين واستعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم».
وقال كذلك الإمام النووي : «وفي هذا الحديث فوائد: «منها تحنيك المولود عند ولادته وهو سنة بالإجماع كما سبق. ومنها أن يحنكه صالح من رجل أو امرأة. ومنها التبرك بآثار الصالحين وريقهم وكل شيء منهم».
وقال رحمه الله : «أما أحكام الباب ففيه استحباب تحنيك المولود، وفيه التبرك بأهل الصلاح والفضل، وفيه استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل للتبرك بهم ، وسواء في هذا الاستحباب المولود في حال ولادته وبعدها*.
وقال في باب قربه صلى الله عليه وسلم من الناس وتبركهم به وتواضعه لهم :
«وفيه التبرك بآثار الصالحين وبيان ما كانت الصحابة عليه من التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم وتبركهم بإدخال يده الكريمة في الآنية وتبركهم بشعره الكريم وإكرامهم إياه أن يقع شيء منه إلا في يد رجل سبق إليه».
قال ابن حجر -عقب حديث صلاته صلى الله عليه وسلم لعتبان ابن مالك في بيته ليتخذ هذا الموضع مصلى له- : «وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أو وطئها، ويستفاد منه أن من دعي من الصالحين ليتبرك به انه يجيب إذا أمن الفتنة».
قال الحافظ عقب حديث الرجل الذي طلب البردة من النبي صلى الله عليه وسلم ولامه أصحابه على ذلك : «وفيه جواز استحسان الإنسان ما يراه على غيره من الملابس وغيرها إما ليعرفه قدرها وأما ليعرض له بطلبه منه حيث يسوغ له ذلك، وفيه مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهرا وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم، وفيه التبرك بآثار الصالحين»فتح الباري.
وقال رحمه الله : «قيل : الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغ من الغسل ولم يناولهن إياه أولا ليكون قريب العهد من جسده الكريم، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد».
وقال الحافظ رحمه الله في حديث اللديغ : «وفي الحديث التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه وخصوصا اليد اليمنى».
وقال في حديث آخر : «وفيه استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على جهة التبرك والتيمن بها».
وقد بَوَبَ الحافظ ابن حبان في صحيحه بابا بعنوان : « باب ذِكْرُ ما يُستحبُّ للمِرء التَّبركُ بالصالحينَ وأشباهِهم» وأورد تحته حديث : أخبرنا أحمدُ بنُ علي بن المثنى ، قال: حَدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: حدثنا أبو أسامة ، عن بُرَيْد بن عبد الله ، عن أبي بُردة عن أبي موسى قال : كنتُ عِنْدَ رسولِ اللَّهِ ، نَازِلًا بِالجِعْرانَةِ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ، رَجُلٌ أَعْرَابيٌّ، فَقَالَ: أَلَا تُنْجِزُ لي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه : «أَبشِرْ». فَقَالَ لَهُ الأعْرَابِيُّ: لَقَدْ أَكثَرْتَ عَلَيَّ مِنَ البُشْرَى، قال: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ، عَلَى أبي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: «إنَّ هذا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلَا أَنْتُما». فَقَالَا: قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قال: فَدَعَا رسولُ اللَّهِ ، بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قال لَهُمَا (اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغا عَلَى وُجُوهِكُمَا أَوْ نُحُورِكُمَا). فَأَخَذَا الْقَدَحَ فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُما بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ، فَنَادَتْنَا أُمُّ سَلَمَةَ مِن وَرَاءِ السِّتْرِ، أَنْ أَفْضِلَا لأمِّكُمَا في إنَائِكُمَا، فَأَفْضَلَا لَهَا مِنْهُ طَائِفَةً»صحيح بن حبان.
مما يشير إلى أنهم كانوا يستدلون بأحاديث التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم على جواز التبرك بالصالحين، وقد ورد عن الإمام أحمد بن حنبل أنه تبرك بجبة يحيى بن يحيى نقل ذلك ابن مفلح، حيث قال : «قال المروذي في كتاب الورع : «سمعت أبا عبد الله يقول قد كان يحيى بن يحيى أوصى لي بجبته فجاءني بها ابنه فقال لي فقلت رجل صالح قد أطاع الله فيها أتبرك بها».
أما عن مسألة التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وآثاره بعد انتقاله الشريف إلى ربه، فلم يفرق المسلمون بين التبرك به صلى الله عليه وسلم وبآثاره الشريف قبل انتقاله إلى ربه، وبعد انتقاله، فثبت عن كثير من الصحابة والسلف التبرك بآثاره بعد انتقاله الشريف إلى ربه سبحانه وتعالى : «حينما حضرت عمر بن العزيز الوفاة، دعا بشعر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فخذوا الشعر والأظفار ثم اجعلوه في كفني».
عن سهل في حديث المرأة التي للنبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بالله منك وهي لا تعرفه وفيه: « .. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال : اسقنا –لسهل- قال : فأخرجت لهم هذا القَدَح، فأسقيتهم فيه. قال أبو حازم : فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه. قال : ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز فوهبه له»رواه الترمذي وبن ماجه.
قال النووي عقب هذا الحديث : «هذا فيه التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وما مسه أو لبسه أو كان منه فيه سبب، وهذا نحو ما أجمعوا عليه وأطبق السلف والخلف عليه من التبرك بالصلاة في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الروضة الكريمة، ودخول الغار الذي دخله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. من هذا إعطاؤه صلى الله عليه وسلم أبا طلحة شعره ليقسمه بين الناس، وإعطاؤه صلى الله عليه وسلم حقوة لتكفن فيه بنته رضي الله عنها، وجعله الجريدتين على القبرين، وجمعت بنت ملحان عرقه صلى الله عليه وسلم، وتمسحوا بوضوئه صلى الله عليه وسلم، ودلكوا وجوههم بنخامته صلى الله عليه وسلم، وأشباه هذه كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل ذلك واضح لا شك فيه».
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : «أنها أخرجت إلى جُبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج فقالت هذه كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها»رواه مسلم.
وعن سهل بن سعد قال : «جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة، فقال سهل للقوم : أتدرون ما البردة ؟ فقال القوم هي شملة. فقال سهل : هي شملة منسوجة فيها حاشيتها. فقالت : يا رسول الله أكسوك هذه فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال : يا رسول الله، ما أحسن هذه، فاكسنيها. فقال : نعم. فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه، قالوا : ما أحسنت حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه، فقال : رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أكفن فيها»اخرجه البخاري. وهو لا يعلم إذا كان موته قبل انتقال النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده، ولم ينكر عليه الصحابة الكرام.
قال الإمام الذهبي : «وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنقول نحن إذ فاتنا ذلك : حجر معظم بمنزله يمين الله في الأرض مسته شفتا رآه صلى الله عليه وسلم لاثما له، فإذا فاتك الحج، وتلقيت الوفد، فالتزم الحاج، وقبل فمه، وقل : فم مس بالتقبيل حجرا قبله خليلي صلى الله عليه وسلم».
وقال الإمام الذهبي أيضا: «أخبرنا أحمد بن عبد المنعم، غير مرة، أنا أبو جعفر الصيدلاني - كتابة أنا أبو علي الحداد - حضورا - أنا أبو نعيم الحافظ ، نا عبد الله بن جعفر، ثنا محمد بن عاصم نا أبو أسامة عن عبيد بن نافع عن ابن عمر : أنه كان يكره مس قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت : كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب. وقد «سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأسا»، رواه عنه ولده عبد الله بن أحمد.
فإن قيل : فهلا فعل ذلك الصحابة ؟ قيل : لأنهم عاينوه حيا، وتملوا به، وقبلوا يده، وكادوا يقتتلون على وضوءه، واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر، وكان إذا تختم لا تكاد تخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه، ونحن فلما لم يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستلام والتقبيل».
مما ذكر من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والنقل عن الأئمة الأعلام من أئمة أهل السنة والجماعة، يتأكد لنا جواز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته، ولا فرق في ذلك بين حياته وانتقاله لربه، وكذلك جواز التبرك بآثار الصالحين لا فرق في ذلك بين حياتهم ومماتهم.
هذا وارجو ان اكون قد وفقت الى رفع اللبس والشبهة والله من وراءالقصد وهو يهدي السبيل الله .